المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشعر والحضارة


زكريا العباد
08-01-2007, 06:42 PM
ترى، ما الذي يعنيه القول المشهور ( الشعر ديوان العرب)؟ يعني ببساطة: الشعر مركّب أساسي لشخصية الإنسان العربي.

وماذا وراء ذلك؟

العربي إنسان عاطفي، هذه هي شهرته، واليهود لا يقلقون أبداً من نقمة الشارع العربي ولا من كثرة مظاهراته، لأنه لا يعبر عن رفضه بأكثر من المظاهرات. في المقابل، هناك مقولة لأحد الشخصيات اليهودية تقول: سينتصر العربُ علينا إذا انتظموا في ركوب الحافلة. هذا يعني برأيي : إذا كفّ الضمير الجمعي لديهم عن دفعهم إلى التزاحم على ركوب الحافلة وكأن كنزاً هناك ينتظرهم، ترى لماذا يتراكض العربي لدى ركوب الحافلة؟

لأنّه لا يستطيع مقاومة النظر إلى مجموعة من البشر تركض باتجاه معين دون أن يركض خلفهم، فذلك من الإرث المترسخ لعادات القبيلة، فهم يخرجون للصيد بشكل جماعي يقومون ( قومة رجل واحد ويقعدون قعدة رجل واحد)، ترى، ما الذي يعنيه انتظامهم في ركوب الحافلة؟ إنه يعني تشكل وعي نظامي مبني على عمليات تفكييرية وعقلية لا على مجموعة من العواطف الغير واعية، إنه يعني هيمنة العقل على المشاعر.

المشاعر التي تسيّر العربي هي: المشاعر القبليّة و المشاعر الدينيّة الغير متعقّلة وهي امتداد للمشاعر القبليّة ولكن في شكل ديني.
إنّ الجذر اللغوي لكلمة (شعر) وكلمة (شعور) هو جذر واحد في العربية ما يعني غلبة العواطف والمشاعر على الشعر العربي بينما يختلف الجذر اللغوي في اللغة الإنجليزية مثلاً، وهو يدلّ برأيي على إمكانية دور أكبر للعقل والوعي في الشعر الإنجليزي أكثر من الشعر العربي، فالعقل هادم للشعرية في تصوّر الثقافة العربية والشعر نتاج اللاوعي الذي هو إلغاء التعقل والتبعية العمياء للمشاعر القبلية والطائفية والفردية وإذا كان الشعر مركباً أساسياً في الشخصية العربية فهذا يعني أنّ اللاوعي مركب أساسي فيها.

أن تغلب على شخصية الإنسان مشاعر الانتماء القبلي وأن يفكر بالعقل الجمعي اللاواعي أمر طبيعي في المجتمعات الرعوية حيث يحتاج الإنسان إلى حماية القبيلة و إلى التكاتف معها من أجل مواجهة صعوبة العيش، لكنّ هذه الطبيعة التي تغيب وعي الفرد بذاته تتغيّر بتغيّر حياة المجتمعات باتجاه المدنية وبالتالي فإنّ الأشكال الثقافية الموروثة بحاجة إلى إعادة النظر فيها باستمرار للتأكّد بأنها لا تزال تتوافق مع احتياجات العصر، هذه المراجعة عملية صعبة جداً إذ أنّ الإنسان يخاف التغيير وتشكل العادات سجناً فردياً واجتماعياً يشعر الفرد بالعراء حين يخرج عنها لأنّ المجتمع يرفضه ويعرّيه، من جهة أخرى فإن الثقافة تحافظ على نفسها وتعيد إنتاج ذاتها باستمرار لأنّ تغيرها يعني تغيير المكانات والأدوار وهذا ما تحرص ذرى الهرم الاجتماعي على منعه لكي لا تصاب أدوارها و مصالحها بسوء .
حين جاء الإسلام فرّق بين نوعين من الشعر شجّع على واحد و قلل من أهمية الآخر، رفع من قيمة الشعر الأخلاقي وشعر الحكمة، وحارب الإسلام القبليات و النعرات التي يقوم عليها الشعر الجاهلي بالإضافة إلى الغزل وأحل مكانها الأخوة الإسلامية، وقد قال الإمام علي عن امرئ القيس بأنه أشعر الجاهليين وأسبقهم إلى النار، هذا الحكم حكم موضوعي يعطي للشاعر ما يستحقه من مكانة وقيمة شعرية ويسلب عنه أي قيمة أخلاقية أو حضارية أخرى فهو شعر لا يخدم مشروع الإسلام الحضاري القائم على المساواة والنظام والتعاقد الاجتماعي الذي يظهر في دعم النبي لبعض التحالفات في الجاهلية ولمساهمته في حل قضية الحجر الأسود وفي المعاهدات التي وقعها مع أطراف عدّة كبيعة العقبة وبيعة الرضوان مع المسلمين وصلح الحديبية مع قريش و المعاهدة مع نصارى نجران و كتابة وثيقة المدينة التي يشترك فيها المسلمون واليهود في مجتمع مدني واحد فالولاء كان للأرض وليس للقبيلة و التحالف والمعاهدة والتعاقد واحترام التعددية كانت الرابط لهذا المجتمع وليس القبلية. في هذا المجتمع خفتت أهمية الشعر الجاهلي ( شعر اللاوعي ) وبرزت أهمية الشعر الأخلاقي الذي يحمل معاني المرحلة الجديدة وما جاءت به من قيم وأخلاقيات كانت على مستوى من الإنسانية بحيث ألغت فوارق العرق والثروة واللون وأقامت الأخوة الأخلاقية الدينية و الإنسانية.

استمرت بعد ذلك مكانة الشعر على هذه الشاكلة إلى أن أصيب النظام السياسي بنكسة كبيرة في علامة واضحة على أنّ الثقافة التي جاء بها الإسلام قد نخرت في الصميم كان ذلك حين تحوّل الحكم إلى النظام الوراثي في العهد الأموي. ما حصل أنّ القبيلة بثقافتها وشعرها عادت مرّة أخرى لواجهة الحياة العامّة قويّة هذه المرّة وعلى شكل دولة، وكان إعلان عودة القبيلة وثقافتها متمثلاً في قول يزيد (شعراً) : لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل ، أي هكذا نفهم الموضوع ، هو صراع قبلي ألبسته بنو هاشم ثوب الدين، وظهر ذلك شعراً أيضاً في قول عمر ابن سعد بشيء من التردد والتشكيك :
يقولون أنّ الله خالق جنة ونارٍ وتعذيب وغلّ يدين

وظهر التنكر لمقدسات الدين برمي الكعبة بالمنجنيق و استباحة المدينة لثلاثة أيام للجنود.
وبانهيار المنظومة الفكرية السابقة عادت ثقافة الحزب الحاكم الجديد بالثقافة التي تناسب حكمها وطبيعتها وهي ثقافة الجاهلية التي تشكل امتداداً طبيعياً لها بشعرها ومفاخرتها وتفضيلها للعنصر العربي على غيره من العناصر التي لم يعد لانتسابها للإسلام قيمة ما دامت غير عربية ما أدّى إلى نقمتها بل ولنشوء ردّة فعل معاكسة ترى تفضيل الأعراق والقوميات الأخرى.

وبذلك يكون كلّ ما أقيم من صلات بالعقل وبالنظام وبالتعاقد الاجتماعي قد أعيد هدمه مرّة أخرى على يد النظام القبلي الجاهلي وأعيدت المكانة للشعر الجاهلي ولحمولته الجاهلية على يد الفرزدق وجرير في مفاخراتها و مهاجاتهما.
غير أنّ هذا النظام اضطرّ مرّة أخرى لمجاراة الدين بل وخطفه من منافسيه الهاشميين حين رأى قوّة تأثيره وتغلغله في الناس بحيث لا يمكن تجاهله تماماً، فاستغلّه على عادة السياسيين في استخدام الأوراق الرّابحة.

هذه المجاملة لثقافة الإسلام أتاحت الفرصة للجانب الحضاري العلمي في الإسلام أن ينمو ويزدهر على أيدي العلماء والفلاسفة أما الجانب السياسي العام فقد بقي جاهلياً وقبلياً في الأغلب سوى بعض الحركات القائمة على نظام فكري ديني والتي تتبنى المعارضة ثم لا تلبث أن تتحوّل إلى نظام وراثي قبلي و وتتشبث بالحكم بانتظار ثورة لقبيلة أخرى.
وبهذا فإنّ نزعة الشعر في أيّ اتجاه خارج دائرة ثقافة القبيلة عُدّت حركة تغييرية حميدة وإن كانت لأناس شاذين أو مائعين أو متنفّعين على موائد البلاط، حتى هذه الحركات نظر إليها باحترام حين تكتب بشكل مغاير لثقافة القبيلة باعتبار أنها ثائرة وخارجة على القيم والتقاليد ولكنّ الحقيقة غير ذلك. من الصحيح أنها حركات فردية في مقابل التفكير الجمعي القبلي، لكنها لا تؤدي إلى أي تغيير إيجابي في الواقع العام. من جهة أخرى

فإن التمايز في الإبداع والنزوع نحو المتع الذاتية ظاهرة طبيعية جداً وجدت حتى في العصر الجاهلي وهي لا تعبّر عن الثورة الاجتماعية في شيء بل هي أقرب إلى الظاهرة البيولوجية، إنها عمليات تفكيرية تقودها الهرمونات ولا يقودها العقل، غير أنّ هذا لا يعني عدم وصفها بالإبداع.
في النهاية أعتقد أنّ هدم عمود الشعر هو خطوة جيدة في حدّ ذاتها، إذ أنّه يشير إلى التحرر من قداسة الشكل الذي يمثل وعاء الثقافة ولكننا لازلنا بحاجة إلى مراجعة المضمون داخل هذا الوعاء وما يدلّ عليه من دلالات وما يؤديه من وظيفة.

سر من رأى
08-01-2007, 11:03 PM
اهلاً بك يا أخي زكريا في منتداك الجفر , وأتمنى من أخيك مهدي العباد أن يضع بصمته في هذا المنتدى المتواضع وشكراً لك على هذا المرور .

الح ـنون
08-01-2007, 11:41 PM
يعطيك العافيه اخوي على هالموضوع
الشعر والحضاره مع اني مافهمت الا القليل
تسلم لي يازكريا
تقبل تحياتي الموالي المتواضع

زكريا العباد
08-03-2007, 11:48 AM
اهلاً بك يا أخي زكريا في منتداك الجفر , وأتمنى من أخيك مهدي العباد أن يضع بصمته في هذا المنتدى المتواضع وشكراً لك على هذا المرور .

شكراً لك أخي ملك الأحساء لدخولك موضوعي ولتجشمك عناء التعليق

أرجو أن تسمح لي أيها الأخ العزيز أن أتأمل قليلاً هذا الاسم المميز ( ملك الأحساء) ..

أول ما يخطر بالذهن تحوّل أمارة البحرين إلى ( مملكة البحرين ) ... نحن إلى الآن لا نزال نسمّى محافظة

ربما لم يكن من المناسب أن تطلق على نفسك ( محافظ الأحساء ) لأن هذه الوظيفة ليست شاغرة الآن ..

يظهر لي أنك ملك معنوي ، أي ملك على القلوب ، وهنا أنت تقع في مطبّ آخر ، فهناك من يشغر هذا المسمى أيضاً .. ليس أمامك بعد هذا إلا أن تكون ملكاً فخرياً على غرار ملوك بريطانيا وأسبانيا.. هذا أفضل المتاح أليس كذلك:h64:

أخي مهدي يسلم عليكم فقد طارت طيارته إلى الولايات المتحدة الأثنين الماضي
أدعوا له بالتوفيق في دراسته وفي حياته

شكرا جزيلا لمرورك

سر من رأى
08-03-2007, 02:45 PM
لقد أعطيتني يا زكريا فخراً و شرفاً فأنا دائماً أتطلع إلى التقدم و النجاح , ومن منطقك, إنني أريد أن أصل إلى ماوصلت إليه من علم و كلمات جليلة و عالية , لن أحسدك وإنما أتمنى لك التوفيق و النجاح الدائم , أما الأخ مهدي فأنا دائماً أتمنى أن أراه منذ مدة وبما أنه ذهب إلى أمريكا للدراسة فأنا أتمنى له التوفيق و النجاح و عقبال الوظيفة إن شاء الله تعالى وشكراً

العطافي
08-05-2007, 11:41 AM
الاستاذ / زكريا العباد

مشاركة جدا جميلة تستحق الشكر والثناء

عاشق الإبداع
08-05-2007, 02:32 PM
موضوع ولا اروع موضعك جدا ممتاز ويبين اهمية الشعر في عصرنا الحاضر ,,,نعم الشاعر هو الانسان الذي يستطيع ان ينضم ويرتب حبه للطرف الاخر ..

عن طريق الشعر تواكب العصر...


شكرا لك اخي زكريا على موضوعك الجميل ....

بس عندي ملاحظه اتمنى منك ان تتقبلها بقلب رحيب..

مواضيعك قيمة وممتازه ومفيده واحب ان اقرأها ولكنها طويلة بعض الشيء...ياريت تكون اصغر اشوي ..

حسين بو علي
12-28-2009, 01:09 PM
يعطيك العافيه اخوي على هالموضوع
الشعر والحضاره مع اني مافهمت الا القليل
تسلم لي يازكريا
تقبل تحياتي الموالي المتواضع